أخبارأعمدة رأي

ما وراء الزجاج :البيان الثلاثي: عندما يحاصر الجوار أديس أبابا

بقلم : هجو احمد محمد

 

لم يكن البيان المشترك الصادر عن الخرطوم والقاهرة وأسمرة بشأن التصعيد في إثيوبيا بيان قلق فحسب في لغة الدبلوماسية البيانات التي تصدر بصيغة ثلاثية وفي توقيت واحد، لا تكتب لتسجل *موقفاً* بل لترسم *حدوداً* وهذا البيان، الذي دعا إلى وقف (الأعمال العدائية) وهدنة إنسانية لثلاثة أشهر تمهيداً لمفاوضات سياسية له دلالات تتجاوز سطوره القليلة.

 

*أولاً: التوقيت.. نهاية فترة السماح*

 

على الصعيد الميداني يأتي البيان بعد فشل الحملة العسكرية التي أطلقها الجيش الفيدرالي الإثيوبي في إقليم أمهرا تحت عنوان (إعادة فرض القانون) رغم استخدامه المكثف للطائرات المسيرة. فحركة (فانو) لم تنكسر، بل وسعت نطاق سيطرتها إلى تخوم (غوندار) في علم التفاوض، هذه هي اللحظة المثلى للتدخل: عندما يتيقن النظام من استحالة الحسم العسكري، وقبل أن تعلن المعارضة انتصارها الكامل.

إقليمياً يشير التوقيت إلى انتهاء حالة الفراغ الاستراتيجي التي استفادت منها أديس أبابا طوال العامين الماضيين كان السودان مستنزفاً بحربه الداخلية ومصر منشغلة بملف غزة وإريتريا معزولة دولياً صدور البيان الآن هو إعلان ضمني بأن هذا الفراغ قد انتهى.

أما دولياً فالتوقيت محسوب على روزنامة الأمم المتحدة فقبل أيام من اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك، تسعى العواصم الثلاث إلى تثبيت روايتها أولاً.

*ثانياً: الصيغة الثلاثية.. من المناورة إلى الحصار*

قوة البيان ليست في مضمونه بل في تركيبته. لو صدر منفرداً من (الخرطوم) لفُسر كقلق حدودي ولو من (القاهرة) لقرئ كضغط في ملف السد. ولو من (أسمرا) لاعتبر ثأراً تاريخياً. لكن صدوره ثلاثياً يحوله إلى حصار دبلوماسي.

 

هو إعلان عن تفكك محور 2018 وميلاد محور مضاد مكتمل: السودان بثقله الجغرافي، ومصر بثقلها الدبلوماسي، وإريتريا بكونها الخصم العسكري المباشر.

كما أنه نقل الأزمة من نزاع داخلي إلى تهديد لأمن البحر الأحمر. الدول الثلاث المطلة على البحر تقول إن أي مغامرة إثيوبية للوصول إلى منفذ بحري بالقوة بعد مذكرة التفاهم مع أرض الصومال ستواجه بجبهة موحدة وهي رسالة تخاطب واشنطن والرياض وأبوظبي مباشرة.

وفوق ذلك هو تأسيس لشرعية تدخل مستقبلي بيان ثلاثي لدول جوار متضررة يؤسس لما يسمى (المسؤولية الإقليمية) إذا انهارت الهدنة وتدهورت الأوضاع .

*ثالثاً: تحالف البقاء.. المستفيد الصامت*

أما الطرف الأكثر ترقباً فهو تحالف القوات الإثيوبية من أجل البقاء الذي يضم سبع فصائل متناقضة تاريخياً: (تيغراي، وفانو، وأورومو، وأوغادين، وعفر، وبني شنقول، والقمز)

هذا التحالف سيتعامل مع البيان بإيجابية براغماتية ويوظفه لخدمة سرديته سيقدمه كدليل (إدانة إقليمية) لنظام آبي أحمد، وسيعتبر عبارة (مفاوضات) بين الأطراف الإثيوبية اعترافاً ضمنياً ب(شرعيته) وسيستخدمه لتفنيد اتهام رئيس الأركان الإثيوبي (برهانو جولا) بأن مصر والسودان وإريتريا تدعمه فالبيان الذي يدعو لهدنة لا لتسليح المعارضة ينفي التهمة من أساسها.

لذا فالسيناريو الأرجح أن يصدر التحالف بياناً يرحب بالهدنة الإنسانية مع تمسكه بهدف إسقاط حكومة حزب الازدهار.

ما وراء الزجاج..

البيان ليس دعوة لوقف إطلاق النار بقدر ما هو وثيقة لإعادة تعريف (قواعد الاشتباك) رسالته في توقيته: انتهى وقت الحسم العسكري ورسالته في تركيبته: انتهى وقت المناورة المنفردة.

*وبالنسبة للسودان، البيان هو خروج من الدفاع إلى الهجوم الدبلوماسي: تأمين الحدود الشرقية يبدأ من إضعاف المركز الذي صدّر الفوضى.*

30 سبتمبر 2026

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى